يوسف المرعشلي
1030
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
المحصّل المطلع ، من آخر الرجال الذين شاركوا في العلم ودرسوه على الوجه الذي يجب أن يدرس ويعلم . له تآليف وأبحاث ورسائل . قال ابن سودة : اتصلت به بمدينة الرباط مرارا وأملى عليّ الشيء الكثير من إنشاءاته . وكتب ترجمته الشيخ محمد بن عبد السلام السايح الرباطي في مجلة الثقافة المغربية في عددها الثالث بتاريخ فاتح ( أكتوبر ) تشرين الأول سنة إحدى وأربعين وتسعمائة وألف ، قال : أبو عبد اللّه محمد - فتحا - بن أحمد الرافعي الأزموري الجديدي صاعقة العلم المتكلم الفيلسوف ، هذا الرجل من أصدقائي ، وقد طارحته المسائل العلمية كثيرا ، وكان متمكنا في العلم راسخ القدم فيه ، ولا سيما في علم الأصلين والخلاف العالي وعلوم الأوائل والتصوف ومعرفة النحل والمذاهب . لم يذكر لي من شيوخه إلا أبا النعايم الحاج أبا شعيب الأزموري قاضيها الذي لا يزال يسبح في بحر الوجود ، وبلغني أنه تلقّى من غيره أيضا مع اليقين بأن تلقّيه كان قليلا ، ولكن ذلك التلقّي اليسير حرك قريحته وأنبط ينايع فكره الدفاق بما أوتي من كمال القابلية والاستعداد الفكري بالاستغراق في المطالعة . اكتسب ذلك العلم الواسع ، وإن الحصول على ذلك الخصب العلمي برشاش قليل من الأخذ والتلقّي عزيز نادر الوجود ، لا يكاد يتفق إلا لعقل جبّار كعقل الرافعي . ومما ساعده على تلك الغزارة ومهّد له تلك الطريق خلوّ ذهنه من كل علاقة تمتص من قوة فكره ، وراحة مستمرة ، فعاش عزبا لا تلتقي صفحة خده إلا بصحيفة كتاب ، ولا ينفتح جفنه إلّا على بياض الورق وسواد السطور ، عزوفا عن الولايات والمناصب ، إذا ذكرت له فرّ فرار الطير ، وقد قضى حياته منهمكا في المطالعة والبحث والنظر ، وكثيرا جدا ما كان يستغرق في ذلك الليل كله حتى يغشاه شعاع الغزالة ، عاش على ذلك دهرا . * قوة حافظته : كان الرافعي قوي الحافظة لحد غريب ، إذا أمسك بيده كتابا لا تسمح نفسه بإلقائه قبل استيعابه وامتلاك صياصيه ، والتمكن من نواصيه ، وللحين يباحث ما فيه ويحاضر ويجادل ويناظر ، وربما ( وربّ للتكثير ) طوّقه بالتعليق والتقرير ، وأدمج بين سطوره ما تسمح له به براعة التحرير . * شكل معلوماته : الرافعي زاول الفلسفة كثيرا ودرسها دراسة عميقة وتشبّع من مذاهبها وآرائها فتكيف بها فكره واصطبغ بها ذهنه ، فكان يفرغ ما يلقى عليه من المعلومات على قالبها ويكسوه بحلتها ، ويدرسه على ضوئها ، فلا يرى إلا بعين النقد والتحليل ، والفحص والتعليل ، لا كما يرى الإنسان العادي على حد تعبير الفلسفة . * أسلوبه النقدي : كان أسلوبه في النقد أنه لا يتهيب الأفكار ولا يتردد في مطاولة الأقران ، بل يهجم على ما يخالف نظرياته هجوما لأول وقوع الطرف ، شأن الواثق بنظره العلمي ، وإذا خلا لإعادة النظر أتى بالمذائب من الحجج ولم يترك في القوس منزعا ، وكثيرا ما كان يجري بمجلسه بعض المباحث العلمية فيفور انفضاضه بردف تلك المنافرات برسائل متدفقة علما تحقيقا لما راج وتحريرا ، إلا أن كتابته مشتبكة معقدة الشكل لا يتمكن من حلّها إلا من عاقرها طويلا ، وما أخوفني أن تكون سببا لضياع علمه رحمه اللّه . * من نفثات أقلامه : - رسالة في شرح وحدة الوجود . - أخرى في تحقيق معنى العقل والنفس الكلية . - وأخرى صغيرة في تفسير الهيولى . - رسالة في الأطوال . - كتابة في قول القطب المولى عبد السلام : واجعل الحجاب الأعظم حياة روحي ، وروحه سر حقيقتي ، وحقيقته جامع عوالمي بتحقيق الحق الأول . ثم ذكر له بعض المباحثات والرسائل والأجوبة فلا نطيل بها ، وقال في الأخير : أصيب الرافعي قبل وفاته بضعف عصبي وبجفاف في الدماغ نشأ طبعا عن كثرة النظر والسهر ، وكانت وفاته يوم الجمعة رابع عشر رجب عام ستين وثلاثمائة وألف ، عن سبع وخمسين سنة ، فإنه ولد في سنة ثلاث وثلاثمائة وألف ، ودفن بمقبرة سيدي أحمد النخل قبالة مشهد بوافي من ثغر الجديدة رحمه اللّه ونعّمه . وإني أرجو ممن وقع بيده بعض رسائله ومباحثه العلمية أن يستخرجها ويحتفظ بها من الضياع كما ضاعت آثار